ابن الأثير
244
الكامل في التاريخ
أنت طرّدتني كلّ مطرّد . وقيل : إنّ أبا سفيان لم يرفع رأسه إلى النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، حياء منه . وقدم رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، مرّ الظّهران في عشرة آلاف فارس ، من بني غفار أربعمائة ، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر ، ومن بني سليم سبعمائة ، ومن جهينة ألف وأربعمائة ، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف من العرب ، ثمّ من تميم وأسد وقيس . فلمّا نزل مرّ الظهران قال العبّاس بن عبد المطّلب : يا هلاك قريش ! واللَّه لئن بغتها رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، في بلادها فدخل عنوة إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . فجلس على بغلة النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وقال : أخرج لعلّي أرى حطّابا أو رجلا يدخل مكّة فيخبرهم بمكان رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فيأتونه ويستأمنونه . قال : فخرجت أطوف في الأراك إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي قد خرجوا يتجسّسون . فقال أبو سفيان : ما رأيت نيرانا أكثر من هذه . فقال بديل : هذه نيران خزاعة . فقال أبو سفيان : خزاعة أذلّ من ذلك . فقلت : يا أبا حنظلة ، يعني أبا سفيان كان يكنى بذلك ، فقال : أبو الفضل ! قلت : نعم . قال : لبّيك فداك أبي وأمّي ، ما وراءك ؟ فقلت : هذا رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، في المسلمين أتاكم في عشرة آلاف . قال : ما تأمرني ؟ قلت : تركب معي فأستأمن لك رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فو اللَّه لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك . فردفني ، فخرجت أركض به نحو رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فكلّما مررت بنار من نيران المسلمين يقولون : عمّ رسول اللَّه على بغلة رسول اللَّه ، حتى مررنا بنار عمر بن الخطّاب ، فقال أبو سفيان : الحمد للَّه الّذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ! ثمّ اشتدّ نحو النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وركضت البغلة فسبقت عمر ، ودخل